كتبت – حنين أمين
في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، كانت مصر تعيش حالة من الانبهار بكوكب الشرق، أم كلثوم. فقد أصبحت أيقونة الغناء العربي بلا منازع، وحفلاتها تُذاع عبر الإذاعة المصرية، والجماهير تسهر حتى الفجر لتستمع إلى صوتها الفريد. لكن وسط هذا المجد الفني غير المسبوق، فوجئ الرأي العام بخبر صادم: أم كلثوم متهمة بالهجر والنشوز، ومطلوبة في بيت الطاعة!
شاهدوا بالصوت والصورة وتفاصيل أكثر إثارة في هذا الفيديو
إعلان قضائي يهز الرأي العام
في يوم السبت 14 مارس 1936، تسلّمت أم كلثوم إعلان دعوى قضائية غريبًا من نوعه. جاء في الإعلان أن الشيخ عبد الستار محمد الهلالي، من أعيان مديرية قنا – بحسب ما وصف نفسه – يطالب زوجته "أم كلثوم إبراهيم" بالدخول في بيت الطاعة، بعدما هيّأ لها مسكنًا شرعيًا في بندر دشنا، مجهزًا بالأبواب والشبابيك والأدوات الصحية وخادم وخادمة، وبجوار جيران صالحين يضمنون أمنها.
وأكد المدعي أنه أوفى لها عاجل صداقها، ودعاها إلى الدخول في منزله لكنها امتنعت "بغير حق شرعي". ولذلك طلب من المحكمة إلزامها بالدخول في بيت الطاعة والانقياد له كزوجة.
بعبارة أخرى: كان الرجل يريد أن يُجبر كوكب الشرق، صاحبة الصوت الذي وحّد الملايين، على العيش معه بالقوة الشرعية!
تكرار الدعاوى وشكوك الصحافة
بدأت الصحافة تحقق في خلفية الرجل، فاكتشفت مفارقة مذهلة: فهو لم يكن من الأعيان كما ادّعى، بل من فقراء دشنا ومشاغبيها، بحسب شهادة أهل بلدته.
انتشر الخبر كالنار في الهشيم. تخيلوا صحيفة الأهرام تنشر إعلانًا رسميًا باسم أم كلثوم في قضية بيت الطاعة! الجمهور انقسم بين مصدّق ومكذّب، لكن المحبين شعروا بالإهانة لأن اسم رمز فني بهذا الحجم جُرّ إلى قاعات المحاكم.
شاهدوا على قناة نجوم الغلاف
هل يتفق الجمهور مع اختيارات النقاد؟ 🤔🤔 أفضل 10 أفلام رومانسية في السينما المصرية والعربية ✨ ✨ ✨
رفعت الجمال أخفى حقيقته عن زوجته الألمانية لمدة 19 سنة
يوم المحاكمة: حضور جماهيري غير مسبوق
في 11 أبريل 1936، انعقدت جلسة المحاكمة بمحكمة دشنا. كانت القاعة مكتظة حتى آخرها، والجميع جاءوا لرؤية: ماذا سيحدث لأم كلثوم؟ هل ستعترف المحكمة بوجود زواج خفي؟ أم ستسقط الدعوى كما سابقتها؟
وسط هذا التوتر، برز اسم واحد: المحامي الكبير فكري أباظة. لم يكن مجرد محامٍ، بل كان أديبًا وكاتبًا معروفًا، وأحد ألمع العقول في مصر وقتها. تولى الدفاع عن أم كلثوم، وجعل من المرافعة مسرحًا حقيقيًا.
أقرأ أيضا
ليست مجرد شخصية ولكنها مغامرة فنية لكل من جسدتها.. 10 فنانات ارتدين عباءة أم كلثوم
بعد 65 سنة من غنائها أغنية "حب أيه".. نكشف السر الذي اخفاه الجميع عن كوكب الشرق أم كلثوم
حقيقة كشفتها مجلة روزاليوسف .. أم كلثوم مغنية الأفاعي !!!
مواجهة مثيرة داخل المحكمة
روى فكري أباظة لاحقًا أن المدعي، عبد الستار الهلالي، كان ضخم الجسد طويل القامة، وحين وقف أمام القاضي أكد بصوت عالٍ أنه زوج أم كلثوم منذ عام 1927.
المفاجأة كانت في رد فعل كوكب الشرق، التي نظرت إليه مذهولة وقالت: "أنا يا عم؟" ليصيح فيها الرجل بعنف: "اسكتي يا بت!"، في مشهد صادم داخل المحكمة.
عندها تدخل فكري أباظة قائلًا: "تقول إنك متزوجها منذ تسع سنوات، فأين كنت كل هذا الوقت؟" ثم كشف مفاجأة أخرى: حين شيدت أم كلثوم فيلتها في الزمالك، كانت تشكو من ضجيج ساقية مجاورة. وبالتحري، تبين أن صاحب الساقية هو عمدة بلد المدعي. أراد أباظة أن يوضح أن الدعوى ما هي إلا مؤامرة مدبرة بتحريض من العمدة، للإضرار بالفنانة وتشويه سمعتها.
مرافعة فكري أباظة وحكم المحكمة
اختتم أباظة مرافعته قائلًا: "هذه الدعوى كيدية، لا تقوم على أساس، وموكلتي لم تربطها أي صلة بالمدعي، ولم تتزوج به لا رسميًا ولا عرفيًا. إنما هدفه مجرد شهرة على حساب اسم أم كلثوم."
أما محامي المدعي فقد حاول الدفاع بطريقة غريبة، إذ تحدث عن نسب موكله وحسبه، بل وذهب إلى حد القول: "عبد الستار صفقة جيدة لأم كلثوم!"
لكن المحكمة لم تقتنع. وبعد الاستماع إلى الدفاع والتحقيقات، أصدرت حكمها: رفض الدعوى واعتبارها كيدية، والحكم على المدعي بالسجن ستة أشهر مع الشغل، وتعويض قدره قرش واحد للمدعية، وغرامة خمسين جنيهًا.
موضوعات متعلقة
اختبار حقيقي
انتهت القضية لصالح أم كلثوم، لكنها تركت أثرًا كبيرًا في حياتها الفنية والشخصية. فقد أدركت أن الشهرة تجذب معها الحاقدين والمتربصين، وأن اسمها الكبير قد يكون هدفًا لمحاولات التشويه والاستغلال.
كانت القضية درسًا للمجتمع كله: حتى "كوكب الشرق" لم تسلم من الإشاعات والادعاءات الباطلة، لكنها خرجت من المحنة أكثر قوة وصلابة.
قضية "بيت الطاعة" لم تكن مجرد حادثة طريفة في سيرة أم كلثوم، بل كانت اختبارًا حقيقيًا لمكانتها الاجتماعية والفنية. اليوم، وبعد مرور ما يقرب من تسعين عامًا، ما زالت القصة تثير الدهشة: كيف تجرأ أحدهم على جرّ صوت مصر الأول إلى المحكمة بادعاء الزواج؟ وهل كان عبد الستار مؤمنًا بادعائه، أم مجرد رجل يبحث عن الشهرة؟



إرسال تعليق